
السيسي… قائدٌ تجاوز زمنه وجمع إرث من سبقوه
بقلم: خالد مراد
في زمنٍ تكسرت فيه الجغرافيا السياسية، وانهارت أنظمة كانت تبدو راسخة، واشتعلت حدود المنطقة من أقصاها إلى أقصاها، برز الرئيس عبد الفتاح السيسي كقائدٍ استثنائي لا يشبه إلا نفسه، لكنه حمل من كل زعيم سبقَه ملمحًا من ملامح القوة. امتلك جرأة عبد الناصر حين يتعلق الأمر بكرامة الوطن، ودهاء السادات حين تُدار لعبة التوازنات المعقدة، ودبلوماسية مبارك التي منحت مصر مكانة ثابتة ثلاثين عامًا، ثم أضاف إلى ذلك عقلية رجل المخابرات… العقل الذي يرى قبل أن يرى الآخرون، ويحسب قبل أن يتحرك الخصوم، ويتقدم خطوة بينما يتحسس غيره الطريق.
لم تكن السنوات الماضية سهلة ولا عادية، بل كانت عاصفة اقتصادية وسياسية كفيلة بأن تُسقط حكومات وتُفجّر غضب الشارع. ارتفاع أسعار، تضخم، رفع دعم، التزامات دولية… ظروفٌ كانت كافية لتهز شعبية أي رئيس في العالم، بل وربما تُسقطه. لكن السيسي اختار الطريق الأصعب: أن يبني مصر في عزّ الأزمة، لا أن ينتظر تحسن الظروف. راهن على مدنٍ جديدة، ومشروعات عملاقة، وشبكات طرق وموانئ ومناطق صناعية، بينما كان المنطق السياسي يقول “أجّلوا… خففوا… انتظروا”. لكنه لم ينتظر. واليوم بات واضحًا أن ما بُني كان شبكة أمان اقتصادية حالت دون سقوط الدولة في دوامة الانكماش والشلل.
ورغم قسوة الإصلاحات، حدثت المفارقة التي أربكت كل الحسابات: عاد الالتفاف الشعبي حوله بقوة. عاد لأن الناس رأت أن الرجل لم يساوم على الحقيقة، ولم يخفِ الأزمات، ولم يتاجر بالأمن القومي. عاد لأنه انحاز للشعب حين احتاجه الشعب، وردّ ميزان السلطات حين اختلّ، وأثبت أن الشرعية الحقيقية لا تُصنع في الغرف المغلقة، بل تُستمد من الشعب مصدر كل السلطات. في لحظات حاسمة، وقف السيسي موقف الحَكم حين كان الجميع ينتظر موقف الحاكم، وقال رسالته الواضحة: “الشعب البوصلة… والشعب الحَكم”.
وفي السياسة الخارجية، ظهر الرجل بملامح قائد دولة يعرف وزنها جيدًا. وقف أمام قادة العالم معاملة الند للند، لا تابعًا ولا خصمًا. ظهرت بصمته في قمة السلام حين تحدّث بلغة مصر الثابتة رغم الضغوط، وظهرت في ملف التهجير في غزة حين رفض رضوخًا دوليًا كان سيهزّ ثوابت الوطن، ليقول بوضوح: “لن نسمح بتصفية القضية الفلسطينية على حساب مصر مهما كان الثمن.” في التعامل مع الولايات المتحدة، أوروبا، روسيا، الصين، الخليج… حافظ الرجل على معادلة دقيقة: أن تبقى مصر دولة يُحسب حسابها، لا مجرد رقم في صفّ هذا المحور أو ذاك.
وموازاةً مع الخارج، كانت عين السيسي على الداخل لا تغفل. رجلٌ يعرف المؤسسات من الداخل، خبر دهاليزها، وفهم مفاصلها، ويعرف جيدًا أين يبدأ الفساد وأين ينتهي. ولهذا لم يتردد في مواجهة كبار المفسدين، ولم يتردد في كشف الحقائق أمام الشعب قبل القضاء، معلنًا بوضوح: “مفيش حد فوق الحساب… ولا أحد فوق الدولة.”
وهنا ظهرت معادلته الشهيرة التي أصبحت جزءًا من شخصية الدولة الحديثة:
يدٌ في الخارج تلوّح وتهدد كل من يقترب من هيبة مصر… ويدٌ في الداخل تضرب أيدي الفاسدين بلا تردد.
ومع كل هذا، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها في هذا الزمن بالغ التعقيد: السيسي هو رجل المرحلة… حتى لو استدعى الأمر تعديل الدستور.
فالعالم يعاد تشكيله، والشرق الأوسط يغلي، والإقليم يشهد أخطر لحظاته منذ قرن. هذه مرحلة لا تُدار بالشعارات، ولا بالتجارب السياسية، ولا بالمناورات القصيرة. إنها مرحلة تحتاج قائدًا يعرف أسرار الدولة وأزمات المنطقة وخريطة التهديدات من الداخل والخارج. مرحلة تحتاج رجلًا تربّى في غرف العمليات، وعاش نصف حياته وسط التقديرات والتقييمات، ويعرف كيف تُصان الدول وكيف تُحمى الحدود وكيف تُدار المعارك السياسية والاقتصادية والأمنية.
لقد باتت القناعة الشعبية — قبل السياسية — أن استمرار هذا النهج القيادي ليس مطلبًا عاطفيًا ولا تحيزًا، بل ضرورة أمن قومي.
فالدستور وُضع لحماية الدولة… لا لحصارها. وحين تحتاج الدولة قائدًا بعينه في مرحلة إعادة بناء شاملة — سياسية واقتصادية وأمنية — يصبح تعديل الدستور تطبيقًا لإرادة أمة تريد الحفاظ على استقرارها ووحدتها ومكانتها.
ومع كل العواصف التي ضربت المنطقة، ومع كل المحاولات لإرباك الداخل، ومع كل التغيرات الدولية، بقيت مصر ثابتة لأن في قيادتها رجلًا يُمسك زمام اللحظة بثبات غير مسبوق. رجل يملك قوة عبد الناصر، ودهاء السادات، ودبلوماسية مبارك، وخبرة رجل المخابرات الذي يعرف أين يقف ومتى يتقدم.
إن عبد الفتاح السيسي لم يعد مجرد رئيس في منصب، بل أصبح عقلًا استراتيجيًا في زمن لا يرحم، وضمانة لاستمرار تماسك الدولة، ورجلًا لو تخلى لحظة عن يقظته لاختلت موازين كثيرة.
إنه رجل المرحلة… بل رجل الدولة في زمن تتهاوى فيه الدول التي تقودها حسابات صغيرة وقرارات مرتعشة.





